السيد كمال الحيدري

372

أصول التفسير والتأويل

معرفتهما ، ومن كون الأخيرين آلتين موصلتين إلى معرفة الحقّ تعالى ، فمعرفة القرآن تقود إلى معرفة عالمي الآفاق والأنفس ، وهى تؤدّى إلى معرفة الحقّ وشهوده في مراتب آياته وآثاره ، ومنازل تدرّجه وتنزّله . وعلى أىّ حال فالعلّة الغائية للتأويل عند الآملى هي حصول مشاهدة الحقّ تعالى في مظاهره وآيات كتابه الآفاقي وكلماته وحروفه ، وحيث إنّ القرآن صورة إجمال العالم وتفصيله فلا تحصل المشاهدة تلك إلّا بمساعدته ومعاونته ، فيجب تأويله على الوجه المذكور ليتحقّق منه الغرض المشار إليه . فليست قراءة القرآن إذاً واستنطاقه والغوص في معانيه إلّا آلة لكشف حقائق هذا العالم ، والاطّلاع على أسراره المودعة فيه ، ومشاهدته مظهراً من مظاهر الحقّ وتجلّياً من تجلّيات ذاته وصفاته وأسمائه » « 1 » . وعليه « فمن حصلت له معرفة القرآن على ما هو عليه في نفس الأمر ، حصل له مطالعة الفرقان على ما هو عليه في نفس الأمر ، أعنى من حصل له مطالعة كتابه الأنفسى الذي هو القرآن حقيقة ، حصل له مطالعة الكتاب الآفاقي الذي هو الفرقان حقيقةً . ومن حصل له هذا صعد من درجة الإجمال إلى التفصيل ، ومن درجة الوحدة إلى الكثرة ، ومن درجة الذات إلى الأسماء والصفات ، ومن درجة الجمعية إلى التفرقة ، وجمع بين كلّ مرتبتين منهما بحيث لا يحتجب بأحدهما عن الآخر ، ولا يخالف الأوّل الآخر ، ولا الظاهر الباطن ، ولا الكثرة الوحدة ، ولا الجمع التفرقة ، وصار به كاملًا مكمّلًا عارفاً موحِّداً محقّقاً ، واصلًا مقام الاستقامة والتمكّن ، متخلّقاً بأخلاق الحقّ وأرباب اليقين ، وحصل له من أهل الله وأرباب التوحيد الدرجة العُليا والغاية القصوى ، المعبّر عنها بأحديّة الفرق بعد الجمع .

--> ( 1 ) العرفان الشيعي ، مصدر سابق : ص 705 .